01-07-2018 م

جريدة عمان

دعا باحث أكاديمي إلى ضرورة العمل على نشر وتعزيز ثقافة الابتكار والإبداع في المُجتمع، وإطلاق برامج ومناهج تعليمية متخصصة في تقنيات الثورة الصناعية الرابعة والولوج إلى عمليات التفكير الاستباقية من أجل استشراف مبكر للمستقبل ومواجهة التحديات الاقتصادية واقتناص الفرص المستقبلية للثورة الصناعية الرابعة التي قد تكون على مرمى حجر.

وقال الدكتور ناصر بن راشد المعولي الأكاديمي والباحث الاقتصادي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية ومدير مركز البحوث الإنسانية بجامعة السلطان قابوس في حديث خاص لـ«عمان الاقتصادي»: إن الاستفادة المبكرة من تقنيات الثورة الصناعية الرابعة ستهيئ الاقتصاد الوطني للتكيف مع المتغيرات والمستجدات المستقبلية، مؤكدا أنه لا مناص من إجراء بحوث علمية ودراسات في مجال تلك التقنيات، التي لم تعد الاستفادة منها ترفا حضاريا بل هي ضرورة حتمية لمواجهة المستجدات غير المنظورة لصنع مستقبل أرحب للمجتمع.

وأضاف: فهم المتغيرات وتأثيرات الثورة الصناعية الرابعة يتطلب وضع استراتيجية وطنية خاصة، بهدف الكشف المبكر عن الفرص والتحديات المستقبلية من أجل تحقيق تنمية مستدامة وشاملة.

وأكد الأكاديمي والباحث الاقتصادي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أن العالم يقف اليوم على أعتاب أنموذج اقتصادي جديد يتشكل مع بروز «الثورة الصناعية الرابعة»، التي تعد بمثابة تسونامي تكنولوجي يؤثر على كافة مفاصل الحياة البشرية ولها انعكاسات اقتصادية واجتماعية عميقة تؤثر على القيم الفردية والمجتمعية. موضحا أن الثورة الصناعية الرابعة تمزج بين العوالم المادية والرقمية والبيولوجية بحيث تقلص الهوة بين الأشياء المادية والرقمية في مختلف أنشطة حياة الإنسان اليومية.

وللثورة الصناعية الرابعة تأثيرات جذرية على كافة مناحي الحياة ومجالاتها، إذ يمكنها إحداث تغييرات جذرية في معدلات الإنتاج والنمو وفي طبيعة العلاقات بين الدول والشركات والمجتمعات والأفراد والعلاقات البينية بينهما، فالثورة الصناعية الرابعة ستفرض واقعًا جديدًا، مليئًا بالفرص والتحديات.

ووصف المعولي الثورة الصناعية الرابعة أو بمرادفها الآخر تسونامي التقدم التكنولوجي، بأنها حقبة جديدة تشهدها الإنسانية منذ نشوب الثورة الصناعية الأولى في القرن الثامن عشر وحتى القرن الحادي والعشرين.

وتعرف بأنها دمج بين مختلف الأنشطة والعوالم الفيزيائية والرقمية والبيولوجية، وتعمل على تقليص الهوة والاختلافات بين الأشياء المادية والرقمية في مختلف أنشطة حياة الإنسان اليومية، حيث يتميز الاقتصاد العالمي الجديد (اقتصاد المستقبل) بأنه عديم الوزن وخدماته ومنتجاته غير ملموسة وتعتمد بشكل أساسي على البرمجيات وقواعد البيانات والذكاء والتقانة المبنية على المعرفة والإبداع والذكاء الصناعي.

وأشار إلى أن أوجه الاختلاف بينها وبين سابقاتها من الثورات الصناعية تكمن في الإطار العام وتوقيت ظهورها والإنجازات التي حققتها كل ثورة صناعية، فالثورة الصناعية الأولى ظهرت في عام 1784 وتميزت باختراع الآلة البخارية لميكنة الإنتاج بواسطة الماء والطاقة البخارية، أما الثورة الصناعية الثانية فقد قامت في عام 1870 باستخدام الطاقة الكهربائية، كما قامت الثورة الصناعية الثالثة في عام 1970 باختراع الحاسوب وعمليات الأتمتة والرجل الآلي واستخدام الإنترنت، ودخول الحواسيب في معظم نواحي التصنيع والاتصالات والتعليم.

أما الثورة الصناعية الحالية (الرابعة) التي بدأت في ألمانيا عام 2011، فقد قامت بمزج العوالم الثلاثة (المادية والرقمية والبيولوجية) في كافة الأنشطة الإنسانية من خلال إشراك الآلة في كافة الأنشطة الإنتاجية واقتصار دور الإنسان على المتابعة والإشراف فقط.

ولقد تمكنت هذه الثورة من تحقيق فوائد عدة للإنسان كتوفير خدمات صحية عالية الجودة، وتقليص المدة الزمنية المطلوبة لعمليات التطور والتحديث، وسهولة وصول المنجزات إلى العالم أجمع في فترة زمنية قصيرة بفضل ثورة الاتصالات والمعلومات التي تتبع في نموها المسار الأسي السريع لا الخطي.

وقال: إن الثـورة الصناعية الرابعة يقودها عـدد مـن المحــركات الرئيســية تتمثل في الــذكاء الصناعي والروبوتــات والســيارات ذاتيــة القيــادة والطابعات ثلاثية الأبعاد والبيانـات الضخمة والعملات الافتراضية مثل البيتكوين وإيثريوم وإنترنـت الأشياء والنانـو تكنولوجـي والبيـو تكنولوجــي وتقنيات توليد وتخزيــن الطاقــة والحوســبة الكموميــة.

وتعرف التقنيات الحديثة المصاحبة للثورة الصناعية الرابعة بالتكنولوجيا الهدامة، وهي التقنيات الجديدة والمتطورة والتي تعمل على إزاحة ومسح ما قبلها من التقنيات واستبدالها كليًا بتقنيات حديثة وجديدة.

ويقول مدير مركز البحوث الإنسانية بجامعة السلطان قابوس عن الأثر الاقتصادي والاجتماعي للتكنولوجيا الهدامة: إنه يمكن إجماله في الفوائد المتعددة التي قدمتها تلك التقنيات للبشرية جمعاء فعلى سبيل المثال وليس الحصر.

يذكر العلماء المتخصصون أن تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد تلعب دورًا مهمًا في صناعة الأطراف الصناعية والسيارات، وأن تقنية إنترنت الأشياء بإمكانها أن تعمل على ربط كافة الأجهزة المنزلية بالهواتف الذكية، الأمر الذي يسمح للفرد بالتحكم بكافة مقتنياته المنزلية عن طريق هاتفه الذكي.

أما عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي فتظهر مساهمتها في خدمة الإنسان عن طريق الدور الواضح الذي تلعبه في إنجاح العمليات الجراحية وعمليات البحث والإنقاذ، كما ساعدت السيارات ذاتية القيادة على التقليل من أعداد الحوادث وخدمة كبار السن وذوي الإعاقة، وتعمل الأجهزة الملبوسة على المحافظة على المستوى المطلوب من اللياقة البدنية للأفراد، بينما تساعد الروبوتات الإنسان في تقديم المساعدات التي يحتاجها في مجالات كثيرة مثل التصنيع والصيانة والتنظيف والجراحة، حيث تشير الأرقام إلى أن مبيعات الروبوتات الصناعية ارتفعت بنسبة (170%) خلال عامي 2009 و2011.

وعلى الصعيد الاقتصادي تظهر المؤشرات والأرقام الاقتصادية المتعلقة بتطبيقات التكنولوجيا الهدامة كالطباعة ثلاثية الأبعاد والتكنولوجيا الملبوسة أن القيمة السوقية لهذه التطبيقات تعد مرتفعة نسبيًا. كما يذكر تقرير ماكينزي أن إنترنت الأشياء من المتوقع أن يعود بأثر اقتصادي محتمل من 4 تريليونات دولار إلى 11 تريليون دولار في السنة الواحدة لعام 2025.

أما عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي فالمتوقع لها أن تتجاوز 35 مليار دولار حتى عام 2025، وستتجاوز عائدات صناعة الروبوتات الصناعية 40 مليار دولار بحلول عام 2020.

وأورد مدير مركز البحوث الإنسانية بجامعة السلطان قابوس العديد من الأمثلة على تجارب لدول يمكن القول عنها بأنها نجحت في تحويل اقتصادها التقليدي إلى اقتصاد قائم على المعرفة كسويسرا وبريطانيا وماليزيا حيث تمثل نماذج ناجحة للدول التي اعتمدت على الإبداع والتميز في صنع اقتصاداتها الوطنية وتحقيق معدلات عالية من التنمية والتطور والتقدم والازدهار على المستوى العالمي.. فالشوكولاتة السويسرية المعروفة عالميا تعتمد على الكاكاو علما أن مناخ سويسرا غير مناسب لزراعة الكاكاو، أما بريطانيا التي لا توجد بها حقول للشاي فإنها تستحوذ على ما نسبته 63% من صناعة وتعليب الشاي وتسويقه إلى دول العالم، وماليزيا التي كانت تعرف عاصمتها بعاصمة الطين لفترة زمنية قريبة (أواخر السبعينات) إلا أنها اليوم تحتل المركز الثامن عشر في الخارطة الصناعية العالمية.

وعلى صعيد الشركات العالمية التي تتميز بالإبداع أشار إلى شركة أوبر أكبر شركة لسيارات الأجرة في العالم التي لا تمتلك أي مركبة خاصة بها، وشركة أربنب التي تعد أكبر شركة في العالم في مجال تزويد الإقامة ولكنها لا تمتلك أي عقار، وشركة واتس أب التي تتعامل مع ثلاثة مليارات رسالة يوميًا دون امتلاكها لأي خوادم والكثير من النماذج الناجحة التي تعتمد على الفكر والإبداع والذكاء الصناعي.

وأكد الدكتور ناصر المعولي أن السلطنة ليست بمعزل عن تطورات الثورة الصناعية الرابعة التي يشهدها العالم، وهناك الكثير من الجهود التي تبذل من قبل الحكومة من أجل استيعاب تقنيات الثورة الصناعية الرابعة والاستفادة منها، حيث إن المتغيرات العالمية الجيوسياسية المتسارعة وبروز التقنيات المتجددة المتعلقة بها يتطلب الولوج إلى عمليات التفكير الاستباقية وذلك من أجل استشراف مبكر للمستقبل مما يساهم في تقليل عنصر (اللا يقين) لمواجهة التحديات الاقتصادية واقتناص الفرص المستقبلية للثورة الصناعية الرابعة التي قد تكون على مرمى حجر.

وقال: إن الاستفادة المبكرة من تقنيات الثورة الصناعية الرابعة ستهيئ الاقتصاد الوطني للتكيف مع المتغيرات والمستجدات المستقبلية، فلا مناص اليوم من إجراء بحوث علمية ودراسات في مجال تلك التقنيات، حيث إن الاستفادة منها لم تعد ترفا حضاريا بل أصبحت ضرورة حتمية لمواجهة المستجدات غير المنظورة لصنع مستقبل أرحب للمجتمع، موضحا أن فهم المتغيرات وتأثيرات الثورة الصناعية الرابعة يتطلب منا وضع استراتيجية وطنية خاصة بها، بهدف الكشف المبكر عن الفرص والتحديات المستقبلية التي ستفرضها من أجل تحقيق تنمية مستدامة وشاملة.

كما أنه يتوجب على المؤسسات التعليمية المختلفة بالسلطنة إطلاق برامج متخصصة في تقنيات الثورة الصناعية الرابعة مثل تدريس تقنية بلوك تشين والذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء وغيرها من التقنيات، مع ضرورة الاهتمام بالدراسات الإنسانية لمعرفة تأثير تقنيات الثورة الصناعية الرابعة وانعكاساتها على القيم الثقافية والاجتماعية.

وأضأف: يجب تعزيز منظومة الابتكار والإبداع، ودعم الاستثمار في مجال تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، والعمل على تسهيل إجراءات نقل التقنية الحديثة إلى السلطنة، مؤكدا أن السلطنة تولي اهتمامًا كبيرًا بأنظمة الإبداع وتعمل على دعم الشباب المبدع من خلال العديد من المبادرات الوطنية لتنمية مهارات الشباب، وبمباركة سامية من لدن حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه -، دشن ديوان البلاط السلطاني (البرنامج الوطني لتنمية مهارات الشباب) الذي يركز على توجهات الثورة الصناعية الرابعة من خلال تدريب وتأهيل ثلاثة آلاف شاب من العمانيين من مختلف محافظات السلطنة على مدى سنتين على قيم ومهارات ومعارف الثورة الصناعية الرابعة والتقنيات المتقدمة، وسيتيح البرنامج للشباب المشاركين تجربة تعليمية مُقدّمة من أكبر المؤسسات المحلية والعالمية في علوم البرمجيات والروبوتات والتفكير الحسابي والإعلام الرقمي والمواطنة الرقمية ومهارات المستقبل.

وتحدث المعولي عن الإيجابيات والسلبيات المتعلقة بإفرازات الثورة الصناعية الرابعة بالقول إنها تحمل في طياتها سلاحا ذا حدين ستطال كافة مفردات المجتمع.. فمن أبرز إيجابيات (الثورة الصناعية الرابعة) أنها ستعين الإنسان على تحقيق نسب عالية من التنمية الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية عموما وبوتيرة متسارعة، وذلك من خلال قدرة تقنيات الثورة الصناعية الرابعة على تخفيض تكلفة الإنتاج ووفرتها، وبالتالي تأمين خدمات ووسائل نقل واتصال تجمع بين الكفاءة العالية والثمن الأرخص، كما أن تقنيات الثورة الصناعية الرابعة ستساهم في تقديم رعاية صحية أفضل للإنسان وبأقل الأثمان، إلا أنها ستفرض في الوقت ذاته تحديات غير مسبوقة على المجتمعات البشرية، إذ إن الثورة الصناعية الرابعة تشترط إعادة هيكلة اقتصادية شاملة، مقرونة بهيكلة اجتماعية، وبالتالي ستؤثر على القيم الثقافية والاجتماعية الفردية والمجتمعية، كما قد تعاني بعض المجتمعات البشرية جراء تبعات (الثورة الصناعية الرابعة)، من زيادة في أعداد الباحثين عن عمل بشكل كبير حيث تؤكد تقديرات خبراء الاقتصاد أن أتمتة الصناعة من شأنها أن تقلص فرص العمل إلى 50%، خاصة بين الفئات الوسطى والدنيا من الأيدي العاملة، أي أصحاب (الوظائف البسيطة) التي لا تحتاج إلى خبرات علمية وتقنية عالية.

ويخشى بعض الباحثين أن تؤدي (الثورة الصناعية الرابعة) إلى اضمحلال دور الشركات المتوسطة والصغيرة في العملية الإنتاجية، وهيمنة الشركات الكبرى، مشيرا إلى أن أكثر الجرائم في المستقبل ستكون جرائم ترتكبها الآلة كنتيجة لصعوبة التصدي للهجمات الإلكترونية التي سوف تكون أكثر ذكاء وتعقيدا.

وقال: إن تأثيرات الثورة الصناعية الرابعة ستكون عميقة وستطال كافة مفاصل الحياة البشرية وستدخل تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في كافة القطاعات الصناعية والخدمية وستؤثر على الجوانب الاجتماعية، كمــا ستؤثر علــى بنيــة المجتمــع وهيكلــه الحالي نتيجة لإيجاد وظائـف جديــدة والقضــاء علــى وظائــف قائمــة، ولكـن فـي الوقـت نفسـه ســوف توجد التقنيات الحديثة وظائف حديثة غير تقليديه مثل وظيفة المرشد السياحي الفضائي والمحامي الافتراضي ومهندس سيارات ذاتية القيادة وطيار طائرة بدون طيار وفني جراحة توسع ذاكرة مربي المواشي المستنسخة وغيرها من الوظائف غير النمطية.

وأظهر تقرير صادر عن المركز الأوروبي الياباني للتعاون الصناعي أن الروبوت في عام 2025 سيحمل مفهومًا مختلفًا عما كان عليه، فهو لن يكون رجلا آليًا، أو ذراعا قادرا على القيام بمهام معقدة فحسب، بل سيأخذ أدوارًا ذات أبعاد إنسانية، وسيصبح قادرًا على التعايش مع البشر، ‏حيث سيكون قادرا على الاعتناء بالمرضى، وتسلية المسنين، والمساهمة في تربية الأطفال، والقيام ببعض الأعمال المنزلية.

وتوقع الأكاديمي والباحث الاقتصادي بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أن تكون البيئة الاقتصادية مستقبلا أكثر تنظيما وتنافسا وأكثر ملاءمة لتحقيق معدلات عالية من الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية مما يسهم في تحسين نوعية وجودة الحياة.