13-12-2018 م

جريدة عمان

يختتم المؤتمر الدولي «العلوم الشرعية.. تحديات الواقع وآفاق المستقبل» الذي تنظمه كلية العلوم الشرعية اليوم أعمال دورته الأولى بإصدار التوصيات في جلسته الختامية بالقاعة الثقافية بالكلية، وقد تواصلت جلسات المؤتمر لليوم الثالث على التوالي حيث شهدت الجلسة الثانية يوم أمس إلقاء 40 ورقة بحثية عبر 8 جلسات عمل، سبقتها 19 ورقة بحثية في جلسته الأولى والجلسة العامة أمس الأول، فقد تحدث في جلسة الأمس د.محمد عبد الرزاق محمود الهيتي من جامعة ظفار – كلية القانون – عن: «طرق تدريس الفقه (إشكاليات وحلول) أوضح من خلالها أنه من يتتبع الخطاب الفقهي سواء أكان النظري منه أو العملي يجده قد مر بمراحل عدة، وهذه المراحل معروفة عند أهل الاختصاص، فعلى سبيل المثال تميزت المرحلة المكية بتشريعات فقهية معينة تختلف عن المرحلة المدنية فركزت المكية على المسائل العقائدية وتثبيت الإيمان بينما تميزت المرحلة المدنية بخطابات وتشريعات فقهية عملية وأخلاقية فضلا عن ترسيخ مبدأ العقيدة عند المسلمين.

مشيرا إلى أن المناهج الشرعية في العصور الفقهية المتعاقبة قد تغيرت كثيراً وذلك بحسب طبيعة المرحلة التي مر بها المسلمون آنذاك وضمن أطر وآليات معينة. مبينا: أن هذه الآليات فرضت علينا اليوم أن ننتج فقها يحاكي العصر وذلك ضمن نفس الأطر والآليات، وهذا هو الذي حصل فعلا بأنا وجدنا كثيراً من الفقهاء، والمجامع الفقهية بدأت تصدر الفتاوى الفقهية بما يخدم المرحلة، وهذا ما يطلق عليه بفقه «الواقع أو النوازل»، إلا أن هذه التوجهات لا زالت تحتاج إلى جهد كبير من قبل القائمين على الفتوى والدارسين في المجالات الشرعية. ثم تطرق إلى إشكالية البحث موضحا أن طرق التدريس هي أحد أهم الإشكاليات التي تواجه تدريس العلوم الشرعية بشكل عام والفقه بشكل خاص ؛ وذلك لتعدد المفاهيم والمصطلحات، وتمسك بعض المدارس الفقهية بالمناهج القديمة، واعتقادهم أن هذه المناهج وحدها هي التي تؤدي إلى فهم الواقع، كما أن الكثير ممن يمارس تدريس الفقه ويقرأ نصاً فقهياً يجد من الصعوبة بمكان إفهام الطالب بدلالة هذا النص وما يمكن أن يؤدي إليه، كما نجد أن من يؤلف المناهج الحديثة لا زال يستخدم بعض المصطلحات الفقهية التي تخالف الواقع وربما تخضع للخلاف الفقهي كاختلافهم مثلا في الصاع والمد والقفيز وغير ذلك فضلاً عن أمور أخرى ستظهر من خلال البحث.

كما طرق د. عبد الجليل البكوري من وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي (المغرب) في ورقته البحثية «مناهج مادة التفسير بالتعليم الجامعي: دراسة نقدية ورؤية تأصيلية» (من تاريخية العلم إلى علْمية التأريخ) موضحا أن هذا البحث ليس له علاقة وطيدة بالتفسير في مجاله التعليمي والتربوي وحسب؛ وإنّما أيضا في مجاله المعرفي الإبستمولوجي، حيث تشير الأدبيات المتعارف عليها في الحقل التربوي -وخصوصا إذا ارتبط الأمر بالتعليم العالي- إلى أنّ المجالين يتبادلان معا وبشكل دائم ومستمر عمليات التأثير والتأثّر، ممّا يعني؛ أنّ تطوّر العلْم المدرّس في مستواه العلمي والأكاديمي لابدّ أن يجد صداه في بناء المقررات والمناهج التعليمية الخاصة به، كما أنّ تدريس العلم وتدارس إشكالاته بالتعليم الجامعي العالي من شأنه أن يفضي إلى البحث فيه ومقاربة إشكالاته ممّا يسهم حتما في تطويره.

ولذلك؛ يفترض أن تحكم بناء المقررات والمناهج الدراسية الجامعية معايير إبستمولوجية تحدّدها طبيعة العلم المدرّس وخصائصه ومناهجه ووظائفه وغاياته.. وهذه يكون لها دور تحديد المادة العلمية وانتقائها وتدقيقها وتصنيفها.. ومعايير تربوية تحدّدها أهداف التكوين ومخرجاته والبيئة التعليمية والاجتماعية وخصائص الطلاب النفسية وقدراتهم وتعلّماتهم السابقة.. وهذه يكون لها دور توجيه عمليات التعليم والتعلّم. إلاّ أنّ واقع حال مناهج التربية والتكوين في العالم العربي يشْهد عكس ذلك، وهو ما يمكن اعتباره إشكالا من الإشكالات التي لا زالت تلقي بظلالها على بناء وتصميم مناهج التعليم الجامعي بالعالم العربي، حيث تغلّب المعايير الإبستمولوجية على حساب المعايير التربوية، ممّا يؤدّي في نهاية المطاف إلى جمود العلم نفسه وتوقّفه عند حدود الزمن الذي تطوّر فيه، ليدْخل بفعل ذلك في نطاق التاريخ الذي يفقده جدْواه وفاعليته داخل الحياة المجتمعية المعاصرة.

وأضاف قائلا: إنّ طغيان التعامل الطّقوسي (الروحي) مع القرآن الكريم لهو رجْع صدى طبيعي لضعْف فاعلية هذا العلم في العصر الراهن ومحدودية اقتحامه للإشكالات الحقيقية التي تعيشها المجتمعات الإسلامية وغير الإسلامية، حتّى بدأ يتقرّر لدى العقل الجمعي للمسلمين أنّ القرآن الكريم هو كتاب روحي بامتياز بعيدٌ عن حياتهم العملية وعن نواحي تفكيرهم وعن مشاكلهم.. والفرضية التي ننطلق منها هنا هي: إزالة الطابع التاريخي عن مناهج مادة التفسير في التعليم الجامعي العالي يسهم في تحقيق فاعلية القرآن الكريم في الواقع المعاصر.

وعليه؛ فإنّ فحوى هذه الورقة وهدفها الأساس يتحدّد في السّعي نحو نفي الطّابع التاريخي عن علم التفسير والسّعي نحو إزالته عن مناهجه وطرق تدريسه، أي؛ نحو الإسهام في إعادته إلى وظيفته الاجتماعية من وجهة نظر تربوية لا تنفك عن الاعتبارات الإبستمولوجية للعلم.

أما الدكتور سليمان بن سيف بن سالمين الغتامي فقد تحدث في ورقته عن «دور تدريس اللغة العربية في فهم العلوم الشرعية وترسيخ الإيمان في نفوس الناشئة» مشيرا إلى أن الشريعة الإسلامية الغراء جاءت مخاطبة جميع شرائح المجتمع الإنساني لحمل الرسالة الربانية بالتقيد بما فيها من الأوامر، وتجنب ما فيها من النواهي، ولا يتأتى ذلك إلا بفهم تعاليم هذه الشريعة ومقاصدها المختلفة، وتأتي اللغة العربية – كون أن القرآن الكريم نزل بها – في مقدمة الأدوات اللازمة لفهم هذه المقاصد واستنباط الأحكام الشرعية التي تحتويها العلوم الشرعية المختلفة؛ وهي في الوقت نفسه أداة تطوير هذه العلوم، والجهل باللغة قد يؤدي إلى الابتداع والضلال؛ لعدم فهم تعاليم الدين بالصورة الصحيحة.

فاللغة العربية شأنها شأن باقي اللغات تـُكتسب بالممارسة، وتتطور بالبحث وتقوية العلاقة بينها وبين العلوم الأخرى؛ وقد أثبتت اللغة العربية قدرتها في هذا المجال بما تتصف به من مقومات صوتية وصرفية ونحوية ودلالية وبلاغية، فكانت بهذا تتسم بعلاقة مطردة بينها وين العلوم الشرعية؛ فكثير من مصطلحات علوم اللغة العربية متأثرة بمصطلحات علوم الحديث، والفقه وأصوله، واختلاف الآراء النحوية – على سبيل المثال – هي مجال واسع للاجتهادات الفقهية، وعليه فالتمكن من فنون العربية يعني التمكن من فهم مقاصد الشريعة خاصة، والتطور في علوم الشريعة والتجديد فيها يعني تجديد في اللغة نفسها، وإمدادها بالحيوية والديمومة، والقدرة على مواكبة كل جديد.

ومن المعلوم أن الشريحة الكبيرة المكونة للمجتمعات غالبًا هي شريحة المتعلمين في المراحل التعليمية المختلفة، فهم عماد كل مجتمع، والفئة التي تبني مستقبله، وتحافظ على دينه وقيمه ومبادئه وأسسه، ومن هنا كانت العملية التعليمية التعلمية هي المكان الأنسب لما يرغب كل مجتمع في غرسه في نفوس أبنائه، وتأتي اللغة الأداة المهمة لتحقيق ذلك.

ولتمكين الناشئة من إتقان اللغة العربية التي عن طريقها يفهم العلوم المختلفة وأجلها وأشرفها العلوم الشرعية، يظهر دور معلمها الذي يجب أن يكون متمكنًا من جوانب لغوية مختلفة، من بينها معرفة طبيعة اللغة وخصائصها وفنونها المتعددة، ومعرفة طرائق تدريسها المختلفة، وآلية تكاملها مع العلوم الأخرى؛ ليتمكن من غرس حبّ اللغة في نفوس طلابه، وحملهم على تقدير العلماء وجهودهم في حفظ اللغة وتطويرها، وما لذلك من صلة قوية في فهم العلوم الشرعية. ويسهم التركيز على توظيف علوم اللغة العربية في فهم العلوم الشرعية كذلك في إعادة ثقة أبنائنا باللغة العربية في خضم التحديات التي تواجهها، إضافة إلى تغيير نظرة المعلم في تدريسها من أنه غاية في ذاته إلى كونه سبيلا لفهم العلوم المختلفة.

وفي الجلسة الثانية تحدث خلفان بن علي بن خلفان الكيومي – ماجستير في الفقه وأصوله من جامعة السلطان قابوس عن «مواجهة صعوبات تدريس العلوم الشرعية بالسلطنة من سنة 1273هـ – 1373هـ/‏‏ 1857م- 1954م موضحا أن هذه الورقة البحثية تسلط الضوء على جانب من جوانب التجارب البشرية في التعامل مع الصعوبات المعترضة لطريق تدريس ونشر العلوم الشرعية، واختار الباحث أن تكون الدراسة حول دور علماء عُمان، ومصلحيها في التعامل مع صعوبات تدريس العلوم الشرعية في القطر العماني من سنة 1273هـ إلى سنة 1373هـ /‏‏1857م- 1954م، وهذه الفترة هي ما بين وفاة السلطان سعيد بن سلطان إلى وفاة الإمام محمد بن عبدالله الخليلي، فالظروف التي مرت بالبلاد خلال هذه الفترة ـ عموماً- متقاربة، ولا يخفى أن هذه الحقبة الزمنية قد غمرتها صعوبات جمة طالت أوجه الحياة المختلفة، ومن أبرزها: اضطراب الوضع السياسي، والمشكلات الاقتصادية، وشح الموارد، وانتشار الفقر، ومنها الحروب، والنزاعات الداخلية. 

وأكد أن إبراز جهود العلماء، والمصلحين في القيام بتلك الأدوار الجليلة حافز لأجيال الأمة للاستفادة من تجاربهم لرفع لواء العلم، ونشر المعرفة رغم كل الصعوبات، والعقبات وفيه اعتراف بالفضل لهم وتخليد لأعمالهم الجليلة على أن وجود بعض الانتقادات لبعض تلك الأدوار لا يلغي قيمتها وفضلها، فالكمال عزيز.

أما د. فرج حمد سالم الزبيدي الأستاذ المشارك ورئيس قسم الدراسات الإسلامية – كليّة الآداب – جامعة الحسين بن طلال – الأردن فقد تحدث عن «التجديد في تدريس العلوم الشرعية من حيث الطريقة والمحتوى» مؤكدا أنّ ارتقاء الأمم في سُلّم الشهود الحضاري؛ مرهونٌ بمدى نجاحها في تحسين المنتج الثقافي، والذي بدوره يهيمن على وسائل الإعلام والتعليم؛ التي تصوغ شخصيّة الجيل والأمّة في جانب الفكر والسلوك، وفي ظل استشعار مدى خطورة ذلك على الجيل؛ فإنّه يتوجّب على المؤسسات التعليمية المعنيّة بصناعة المناهج وتطوير الخطط ، إعادة النظر في مناهج وطرق تدريس العلوم الشرعية، بُغية تنقيح مضامينها وتطوير أساليب تدريسها – مع المحافظة على الثوابت والأصول -، لتواكب مستجدات العصر ومتطلبات الجيل وحمايته من الأفكار الدخيلة، ومن ثمَّ تنتج نهضة فكرية، وإقلاعاً حضارياً يليقُ بالأمّة الإسلامية.

كما تحدث د. أحمد بن سعيد البوسعيدي عن «تطوير طرائق تدريس علم التفسير وآثاره المأمولة» موضحا من خلال ورقته البحثية أن العلم الذي لا يتطور فإنه يتأخر، فالعلوم في تسارع رهيب على مختلف الأصعدة والمستويات، لذا فإن علوم الشريعة بشكل عام وعلم التفسير بشكل خاص يحتاج إلى تطوير وتحسين؛ وذلك لأن ديننا الإسلامي صالح لكل زمان ومكان، وباق إلى قيام الساعة. ومن هنا فإن تكاتف الجهود في عملية تطوير طرائق تدريس علم التفسير مطلب مهم، حيث جاءت هذه الورقة البحثية محاولة للملمة أطراف هذا الموضوع الواسع المترامي الأطراف، وسعيا من أجل مزيد من العناية بهذا الباب المهم للولوج إلى العناية بعلم التفسير والارتقاء به.

وكان المؤتمر قد طرح في جلسته العامة عددا من أوراق العمل أهمها «الشريعة الإسلامية: الدين والدنيا، مقاصد الشريعة، وحدود نصوص الكتاب والسنة» لـ د. محمد أكرم الندوي حول ما تواجهه الشريعة الإسلامية من القضايا والتحديات، حاصرا لها في ثلاثة عناوين: التحديات الناتجة من فصل الدين عن الدنيا، وفرض نظرية المقاصد على الشريعة، وعدم إدراك حدود نصوص الكتاب والسنة، وهذه العناوين الثلاثة مؤداها واحد، وهو عدم الإيمان أو ضعف الإيمان بجدارة الشريعة الإسلامية بمواكبة تطورات الزمان والمكان، والذي تمخض عن توغل فكرة العلمانية في العالم الإسلامي الداعية إلى فصل الدين عن الدنيا أو عن المجتمع والدولة بحجة أن الشريعة من أكبر العوائق في سبيل التقدم البشري والرقي الحضاري.

وأخرى عن «دور الزمان والمكان في الاجتهاد المعاصر» للباحث حسين أحمد الخشن متحدثا فيها عن «الفقه ومواكبة الحياة المتغيّرة» مبينا أن هذا هو التحدي الأكبر الذي يُواجهنا اليوم ويفرض نفسه على العقل الفقهي الاجتهادي بكل مدارسه وأطيافه ومؤسساته ومجاميعه العلميّة التي تعنى بدرس العلوم الشرعية، وقد بلغ التحدي ذروته في السنوات الماضية عقيب تجربة مريرة ومؤلمة حاولت من خلالها بعض الجماعات التكفيرية المتطرفة تقديم صورة مشوهة عن الفقه الإسلامي، من خلال ممارسات السبي والقتل والتمثيل بالجثث وغيرها من أعمال الإجرام التي مارستها بحق المسلمين في أكثر من بلد إسلامي تحت عنوان تطبيق الشريعة، ما أساء إلى صورة الإسلام والمسلمين بشكل غير مسبوق.

أما ورقة د. علي بن هلال بن محمد العبري – قسم العلوم الإسلامية ، كلية التربية ، جامعة السلطان قابوس والتي جاء تحت عنوان: «خطاب التقريب بين المذاهب في فكر العلامة الشيخ/‏‏ إبراهيم بن سعيد العبري» فأشار من خلالها الى بذل الجهد للتخفيف من شدة الافتراق، والعمل على المقاربة إن تعذر الاتفاق، فيعيش المسلمون جنبا إلى جنب، وإن اختلفت مذاهبهم الفقهية، وتمسكوا بانتماءاتهم، فهذه أمم الأرض الأخرى من حولنا قد استطاعت الوصول إلى مستوى عال من الاتحاد والتعاون على قاعدة المصالح المتبادلة مع أنها تفعل ذلك باجتهاد عقلي من مفكريها وقادتها، وباختيار من أفرادها، في حين أن هذه الأمة تمتلك المنهج الكامل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ومطالبة شرعا في إطار ذلك المنهج بالاجتهاد في التخفيف من حدة هذا الافتراق وتقليل آثاره السلبية.