04-03-2020 م

جريدة الوطن

تواصل جامعة السلطان قابوس التزامها بدورها الريادي نحو الرقي بالسلطنة وتلبية الاحتياجات العلمية المتغيرة التي تفرزها المستجدات العالمية، وذلك بتسخير كل ما تزخر به من خبرات وإمكانات وبيئة أساسية للبحث العلمي والابتكار، الأمر الذي من شأنه أن يصب في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ورؤية عمان 2040.

وفي هذا الصدد التقينا مع الدكتورة رحمة بنت إبراهيم المحروقية نائبة رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي حول دور الجامعة وتوجهاتها القادمة في سبيل خدمة توجهات السلطنة، ورؤية عمان 2040.

* ما مدى أهمية البحث العلمي في عالم اليوم؟

ـ يُدرِك الجميع في وقتنا المعاصر أهمية البحث العلمي والابتكار في توفير مزايا عديدة للمجتمع وللصناعات بمختلف أشكالها، مما يسهم في تحقيق التنمية الوطنية، حيث يتيح توليد المعرفة والنتائج المبتكرة عن البحث العلمي للقوى العاملة والمنظمات والبلدان مواصلة مسارات التنمية المستدامة مع زيادة قدرتها التنافسية العالمية، إضافة إلى مساعدة المجتمعات على تشخيص التحديات التي تواجهها، سواء كانت اجتماعية أو تكنولوجية أو بيئية، وإيجاد حلول عملية مستنيرة، وهو ما يزيد من فرص نجاحها وتفوقها عالمياً، كما تؤدي عملية المزج بين القدرة التنافسية العالية واتخاذ القرارات القائمة على الأدلة إلى عدد من الفوائد، بما في ذلك المساهمة في نوعية الحياة والتماسك الاجتماعي والنمو الاقتصادي.

* ما مدى ارتباط البحث العلمي برسالة جامعة السلطان قابوس؟

ـ يُشكّل البحث العلمي والابتكار ركيزة أساسية لرسالة جامعة السلطان قابوس، وقد أسس السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ الجامعة لتكون جزءًا أساسيًا من نظام التعليم في عُمان، منطلقًا في ذلك من إيمانه التام بدور التعليم والبحث العلمي في تطوير دولة قوية ومزدهرة، وسعيًا لتحقيق هذا الهدف تركز جامعة السلطان قابوس حاليًا على الوفاء بدورها نحو مساعدة السلطنة على تحقيق رؤية عُمان 2040، والتي تم العمل عليها تحت إشراف صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ لاسيما وأن الرؤية قد وضعت التعليم والتعلم والبحث العلمي والقدرات الوطنية كأولوية وطنية أولى، وركزت على أهمية إيجاد منظومة وطنية تهتم بالمبتكرين المنافسين المعتزين بهويتهم العمانية، وقد أكد السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ على أهمية هذه الأولوية في أولى خطاباته للشعب، حيث قال:(إن الاهتمام بقطاع التعليم بمختلف أنواعه ومستوياته، وتوفير البيئة الداعمة والمحفزة للبحث العلمي والابتكار سيكون في سلم أولوياتنا الوطنية، وسنمده بكافة أسباب التمكين باعتباره الأساس الذي من خلاله سيتمكن أبناؤنا من الإسهام في بناء متطلبات المرحلة المقبلة)، كما أكد جلالته ـ حفظه الله ورعاه ـ أيضاً في ذات الخطاب على ضرورة استناد بقية القطاعات على الابتكار والتقنيات الحديثة لضمان تماشيها مع أحدث التطورات العالمية ومشاركتها الفاعلة في تنمية الاقتصاد الوطني، حيث صرح قائلًا:(إننا إذ نُدرك أهمية قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وقطاع ريادة الأعمال، لا سيما المشاريع التي تقوم على الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، وتدريب الشباب وتمكينهم للاستفادة من الفرص التي يتيحها هذا القطاعُ الحيوي؛ ليكون لبنةً أساسية في منظومة الاقتصاد الوطني، فإن حكومتنا سوف تعمل على متابعة التقدم في هذه الجوانب أولًا بأول).

* ما جدوى التركيز على البحث العلمي والابتكار في ظل الصعوبات الاقتصادية الحالية؟

ـ تسلط رؤية عمان 2040 الضوء على ضرورة تعزيز موارد عمان وتوظيفها في خدمة التعليم والبحث العلمي والابتكار، وهو ذات المسار الذي يتبعه العالم المتطور في مجال الابتكار وإنتاج المعارف العلمية التي تتميز بجدتها وتطبيقاتها الصناعية والتقنية، لاسيما في ظروف عدم الاستقرار الاقتصادي، وفي هذا السياق تُدرج بيانات البنك الدولي لعام 2019م الخاصة بنفقات البحث والتطوير دولًا مثل: اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة في أعلى 15 دولة من حيث أعلى مستويات الإنفاق البحثي كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، فقد تميزت مسارات التنمية في جميع هذه الدول باستنادها التام على البحث العلمي والتطوير، لاسيما في الفترات التي واجهت فيها تحديات اجتماعية واقتصادية كبيرة.

* ما أكثر المكاسب التي يمكن ملاحظتها من تركيز هذه الدول على البحث العلمي؟

ـ تم إدراج جميع الدول الثلاث التي ذكرت كأمثلة سلفًا ضمن 15 دولة الأعلى تصنيفًا في تصنيفات مؤشر الابتكار العالمي لعام 2019م، إضافة إلى غيرها من الدول التي احتلت الخمسة مراكز الأولى وهي: سويسرا والسويد والولايات المتحدة وهولندا والمملكة المتحدة. ففي كل حالة من هذه الحالات، يكون البحث العلمي والابتكار مدعومين بمجموعة من مصادر الدعم والتمويل، بما في ذلك المنظمات الخاصة والوكالات الحكومية والجامعات. وهذا يعني أنه كلما استثمرت البلدان في البحث العلمي كلما زادت حصيلتها في الابتكار وتضاعف دخلها جراء ذلك ما يمكنها من الاستمرار في التطور ويجعل اقتصادها قوياً وتنميتها مستدامة.

* كيف تساهم الشركات الخاصة في البحث العلمي في الدول المذكورة؟

ـ تستثمر العديد من مؤسسات القطاع الخاص في جميع أنحاء العالم بشكل مكثف في البحث العلمي والتطوير، وتتجسد صور ذلك الاستثمار في إداراتها الخاصة بالبحث العلمي والتطوير، والخدمات الاستشارية، والمشاريع والبرامج البحثية الممولة المنفذة في الجامعات ومراكز البحوث، ومن الشائع جدًا في العديد من الدول التي تولي اهتماماً بالغاً بالبحث العلمي، أن تقوم شركات القطاع الخاص بإشراك الباحثين من الجامعات في مشاريع تفوق الإمكانات المتوفرة في أقسام الأبحاث الخاصة بهذه الشركات، أو حتى تمويل إنشاء كراسي ومراكز بحثية متخصصة لتعزيز مساهماتها وبرامجها البحثية في الجامعات المضيفة أو تقديم منح لطلبة الدراسات العليا في التخصصات التي تتعلق بمجالات عملهم، وتتجسد الأمثلة الأخرى لدعم الشركات الخاصة للبحث العلمي في البرامج المتنوعة المنتشرة في حوالي 80 دولة حول العالم، والتي تركز عادة على ضمان وتوجيه مساهمة العقود الحكومية الكبيرة الممنوحة للشركات الدولية نحو الإنفاق على مبادرات التنمية في البلد المضيف، ويمكن أن تتخذ هذه المبادرات أشكالًا متعددة، بما فيها مواصلة الدعم للبحث العلمي والتطوير في القطاعات الاقتصادية الاستراتيجية.

* وماذا عما تقدمه حكومات هذه الدول لدفع عجلة البحث في قطاعاتها المختلفة؟

ـ تستثمر الحكومات في الجامعات العريقة فيها بشكل مكثف في البحث العلمي وفي توفير وتشييد البنى التحتة التي تدعم البحث العلمي والابتكار وذلك لأن الجامعات تمتلك الخبراء من حملة الشهادات العليا وهم المنتجون الرئيسيون للمعارف الجديدة كما تمتلك الجامعات الطلبة المتميزون وبرامج الدراسات العليا التي تنتج معارف جديدة ومنتجات مبتكرة ـ وخاصة برامج الدكتوراه ـ التي يمكن أن تسوق وتحول الى شرمات ناشئة، وتمتلك بعض الحكومات إدارات بحث متخصصة تُعنى بإجراء البحوث العلمية والابتكار في مجالات محددة، كما تسند بعض الحكومات مهمة توزيع الأموال العامة للمشاريع البحثية عالية المستوى إلى مجالس البحوث العلمية، حيث تقدم مجالس البحوث، كما هو الحال بالنسبة لمجلس البحث العلمي (TRC) في السلطنة، مِنَحًا للباحثين الموجودين بمؤسسات التعليم العالي المختلفة العاملين في مشاريع تم تحديدها على أنها ذات قيمة محتملة للبلد وشعبه، أضف إلى ذلك أنه من الشائع أن يتم توزيع المِنَح على فرق من الباحثين في الجامعات، بالمشاركة مع خبراء معنيين بالصناعة في كثير من الأحيان، ويضمن تمويل مجالس البحوث إمكانية متابعة المشروعات البحثية المعقدة بنجاح بواسطة الفرق البحثية، كما يسهم في تطوير القدرة البحثية للمؤسسة المتلقية للدعم، مع ضمان توظيف البنية التحتية المؤسسية، والخبرة في خدمة الأهداف الاستراتيجية، إضافة إلى تمويل مجالس البحوث، تقدم العديد من الجامعات أيضًا تمويلًا مباشرًا للمشاريع البحثية التي تنفذها هيئة التدريس والموظفون، كما هو الحال في جامعة السلطان قابوس التي يتوفر بها مصادر مختلفة لدعم البحوث العلمية بما فيها: برنامج المِنَح الداخلية، مِنَح عمادة البحث العلمي، مِنَحة المكرمة السامية للمشاريع البحثية الاستراتيجية ولكن يجب تعزيز هذه الميزانيات حتى يتمكن الباحثون من القيام بمشاريع تطبيقية وذات جدوى اقتصادية.

* هل من الممكن قياس مدى مساهمة البحث العلمي في الاقتصاد الوطني لمعظم الدول المتقدمة؟

ـ إن دعم البحث العلمي على مستوى الجامعة سواء من خلال الإنفاق الخاص أو الحكومي له القدرة على تحقيق فوائد هائلة للاقتصاد الوطني، وعند التفصيل في بعض هذه الفوائد، يكشف تقرير المساهمة الاقتصادية لرابطة جامعات الأبحاث الأوروبية في عام 2016م، الأثر الاقتصادي للمؤسسات ذات الأبحاث المكثفة وعددها 23 مؤسسة التابعة لرابطة جامعات الأبحاث الأوروبية (LERU)، حيث يشير إلى أن هذه المؤسسات ساهمت بنحو 99.8 مليار يورو في إجمالي القيمة المضافة (GVA) و1.3 مليون وظيفة في الاقتصاد الأوروبي في عام 2016م، علاوة على ذلك، يشير التقرير إلى أن مساهمة هذه الجامعات في الاقتصاد الأوروبي في ازدياد متصاعد كل عام، وأن تأثيرها الفعلي على المجتمع أكبر بكثير مما يمكن قياسه من حيث النمو الاقتصادي، بينما تسلط هذه التقارير الضوء على التعليم العالي في مختلف البلدان، فإن التأثير الاقتصادي للجامعات الفردية على الاقتصادات المحلية والوطنية والدولية قد يكون كبيرًا أيضًا.

* ما مدى جاهزية جامعة السلطان قابوس لإجراء البحوث الفعالة، التي يمكن أن تسهم في الاقتصاد الوطني؟

ـ كما تؤكد الأمثلة السابقة، أن توفير الدعم المالي للجامعات التي تركز على البحث العلمي والابتكار يفضي إلى العديد من الفوائد الاجتماعية والاقتصادية، ولا تشمل هذه الفوائد توفير فرص العمل بشكل مباشر وغير مباشر فحسب، بل تُسهِم كذلك في التأسيس والاستفادة من الملكية الفكرية، والشركات الناشئة، وفروع الشركات القائمة بالجامعة .. وغيرها، وتتمتع جامعة السلطان قابوس بمكانة متميزة في السلطنة لدفع النمو والتطور الاقتصادي القائم على البحث العلمي والابتكار في البلد بطرق مماثلة للأمثلة المفصلة أعلاه، وجامعة السلطان قابوس هي الجامعة الحكومية الوحيدة في السلطنة، وتؤدي دورًا رياديًا في مجالات البحث العلمي والابتكار على المستوى الوطني والإقليمي، وقد استمر نتاج بحثها وابتكارها واسع النطاق بالنمو جنبا إلى جنب مع الخدمات الأخرى التي تقدمها الجامعة في إطار الوفاء باحتياجات التنمية في السلطنة، حيث تضم الجامعة واحدة من أكثر البنى التحتية البحثية شمولًا في المنطقة، والتي تضم تسع كليات و14 مركزًا بحثيًا وأكثر من 90 برنامجًا للماجستير والدكتوراه، ومختبرات ومعدات حديثة، وعددًا متزايدًا من الكراسي البحثية والمجموعات البحثية .. وغيرها، ولا تزال جامعة السلطان قابوس متماشية مع رؤية السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ لها كبيت الحكمة والخبرة العمانية، وتواصل السعي لتحقيق الأهداف الوطنية نحو التحول الاجتماعي والاقتصادي على النحو المبين بالتفصيل في رؤية عمان 2040.

* أي أفكار أخرى حول مسألة دعم البحث العلمي؟

ـ كما سبق وأشرت، فإن الاستثمار في الأبحاث العلمية الجامعية يؤدي إلى توليد قيمة مضافة للاقتصاد الوطني وخلق فرص عمل، لاسيما الوظائف التي تتطلب المهارة في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، حتى في الأوقات الاقتصادية الصعبة، كما هو الحال في جامعة إدنبره التي توفر حوالي 10 جنيهات إسترلينية لكل باوند واحد تتلقاه من مجلس التمويل الاسكتلندي، أو جامعة كوينز بلفاست والتي توفر 117 وظيفة في مجالات أخرى تخدم الاقتصاد الوطني لكل 100 وظيفة توفرها المؤسسة مباشرة، يمكن أن تستمر جامعة السلطان قابوس في دورها كواحدة من المحركات الرئيسية للنمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية في السلطنة، وسيضمن دعم مشاركة الجامعة في البحث العلمي والابتكار أداءها دورًا رئيسيًا في تحول عُمان إلى مجتمع قائم على المعرفة يتميز بالالتزام بالبحث العلمي والابتكار، وأن تخدم المؤسسة الأهداف الاستراتيجية لرؤية 2040.