خطاب حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - 23 فبراير 2020م خطاب حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم - حفظه الله ورعاه - 23 فبراير 2020م

بسم الله الرحمن الرحيم

«رَبَّنَا آتِنَا مِن لَدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا» الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على أشرف خلقه سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الطاهرين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 أما بعد…

فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أيها المواطنون الكرام..

لقد فقد وطنُنا العزيز في العاشر من يناير الماضي أعز رجاله باعث نهضته الحديثة ومؤسس دولته المعاصرة رجل الحكمة والسلام ورمز التسامح والوئام المغفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور -طيب الله ثراه- وأنزله منازل المتقين الأبرار ولا نقول إلا كما أمرنا الله عز وجل «إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون».

لقد كان لهذا الفقد أثرٌ بالغٌ في نفوسنا إلا أننا تلقيناه بقلوب راضية بقضاء الله وقدره صابرين محتسبين، وقد تابعنا خلال الأسابيع الماضية مشاعركم النبيلة وتعبيركم الصادق تجاه السلطان الراحل، فشيعتموه بالابتهال والدعاء وودعتموه بالامتنان والعرفان. واستعراض إنجازاته العظيمة ومآثره الخالدة التي ستبقى مفاخر وطنية لعمان الغالية، حاضرا ومستقبلا ومصدر إلهام للأجيال القادمة يستلهمون منها الإخلاص والتفاني في خدمة الوطن والحفاظ على قيمه ومكتسباته وصون أمنه واستقراره والإسهام في نمائه وازدهاره.

 إن ما عبرتم عنه من مشاعر المحبة والوفاء للسلطان الراحل رحمه الله كان له بالغ الأثر، وأعاننا على الصبر والاحتساب وإننا إذ نثني على تلكم المشاعر النبيلة والدعاء الصادق لنسأل الله جلت قدرته أن يحفظكم بعين رعايته.

 كما نتوجه بالشكر إلى أشقائنا قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وقادة الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة والمنظمات الدولية والإقليمية ومنظمات المجتمع المدني وشعوب العالم المختلفة التي شاركتنا العزاء في فقيد عمان العزيز، تغمده الله بواسع رحمته. لقد عكس توافد قادة العالم ووفود الهيئات والمنظمات الدولية، تقديرًا عالميًا، للمكانة الدولية للسلطان الراحل ومكانة السلطنة، التي كرس حياته من أجل تحقيقها.

أبناء عمان الأوفياء..

لقد عرف العالم عمان عبر تاريخها العريق والمشرّف، كياناً حضارياً فاعلاً، ومؤثراً في نماء المنطقة وازدهارها، واستتباب الأمن والسلام فيها، تتناوب الأجيال، على إعلاء رايتها، وتحرص على أن تظل رسالة عمان للسلام تجوب العالم، حاملة إرثاً عظيماً، وغايات سامية، تبني ولا تهدم، وتقرب ولا تباعد، وهذا ما سنحرص على استمراره، معكم وبكم، لنؤدي جميعاً بكل عزم وإصرار دورنا الحضاري وأمانتنا التاريخية. إن العقود الخمسة الماضية شهدت تحولاً كبيراً في بناء الدولة العصرية، وتهيئة البنى الأساسية الحديثة والمتطورة في كافة ربوع الوطن، بقيادة باني عمان الحديثة، المغفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور، طيب الله ثراه، وبجهود المخلصين من أبناء عمان الذين نسجل لهم كل التقدير والإجلال على ما بذلوا من أجل رفعة عمان، وإعلاء شأنها.

وإننا ماضون بعون الله على طريق البناء والتنمية، نواصل مسيرة النهضة المباركة، كما أراد لها السلطان الراحل رحمه الله، مستشعرين حجم الأمانة وعظمتها، مؤكدين على أن تظل عمان الغاية الأسمى في كل ما نقدم عليه، وكل ما نسعى لتحقيقه، داعين كافة أبناء الوطن، دون استثناء، إلى صون مكتسبات النهضة المباركة، والمشاركة الفاعلة في إكمال المسيرة الظافرة، متوكلين على الله عز وجل، راجين عونه وتوفيقه.

أيها المواطنون الأعزاء..

إن الشباب هم ثروة الأمم وموردها الذي لا ينضب، وسواعدها التي تبني، هم حاضر الأمة ومستقبلها، وسوف نحرص على الاستماع لهم وتلمُّس احتياجاتهم واهتماماتهم وتطلعاتهم، ولا شك أنها ستجد العناية التي تستحقها. وإن الاهتمام بقطاع التعليم بمختلف أنواعه ومستوياته وتوفير البيئة الداعمة والمحفزة للبحث العلمي والابتكار سوف يكون في سلم أولوياتنا الوطنية، وسنمده بكافة أسباب التمكين باعتباره الأساس الذي من خلاله سيتمكن أبناؤنا من الإسهام في بناء متطلبات المرحلة المقبلة.

إننا نقف اليوم، بإرادة صلبة، وعزيمة لا تلين على أعتاب مرحلة مهمة من مراحل التنمية والبناء في عمان، مرحلة شاركتم في رسم تطلعاتها، في الرؤية المستقبلية «عمان2040»، وأسهمتم في وضع توجهاتها وأهدافها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بما يجسد الرؤية الواضحة، والطموحات العظيمة لمستقبل أكثر ازدهاراً ونماء، وإننا لندرك جميعاً التحديات التي تمليها الظروف الدولية الراهنة، وتأثيراتها على المنطقة وعلينا، كوننا جزءاً حياً من هذا العالم، نتفاعل معه، فنؤثر فيه ونتأثر به.

ومن أجل توفير الأسباب الداعمة، لتحقيق أهدافنا المستقبلية فإننا عازمون على اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة، وتحديث منظومة التشريعات والقوانين وآليات وبرامج العمل وإعلاء قيمه ومبادئه وتبني أحدث أساليبه، وتبسيط الإجراءات وحوكمة الأداء والنزاهة والمساءلة والمحاسبة، لضمان المواءمة الكاملة والانسجام التام مع متطلبات رؤيتنا وأهدافها، وسنعمل على مراجعة أعمال الشركات الحكومية مراجعة شاملة بهدف تطوير أدائها ورفع كفاءتها وتمكينها من الإسهام الفاعل في المنظومة الاقتصادية، وسنهتم بدراسة آليات صنع القرار الحكومي بهدف تطويرها بما يخدم المصلحة الوطنية العليا، وسنولي هذه الجوانب كل العناية والمتابعة والدعم.

كما أننا سنحرص على توجيه مواردِنا المالية التوجيه الأمثل، بما يضمن خفض المديونية، وزيادة الدخل، وسنوجه الحكومة بكافة قطاعاتِها لانتهاج إدارة كفؤة وفاعلة، تضع تحقيق التوازن المالي، وتعزيز التنويع الاقتصادي، واستدامة الاقتصاد الوطني، في أعلى سُلّم أولوياتها، وأن تعمل على تطوير الأنظمة والقوانين ذات الصلة بكل هذهِ الجوانب بمشيئة الله.

أبناء عمان الأعزاء..

إننا إذ نُدرك أهمية قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وقطاع ريادة الأعمال، لا سيما المشاريع التي تقوم على الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، وتدريب الشباب وتمكينهم ، للاستفادة من الفرص التي يتيحها هذا القطاعُ الحيوي، ليكون لبنةً أساسية في منظومة الاقتصاد الوطني، فإن حكومتنا سوف تعمل على متابعة التقدم في هذهِ الجوانب أولاً بأول.

كما سنولي كل الاهتمام والرعاية والدعم، لتطوير إطار وطني شامل للتشغيل، باعتباره ركيزة أساسية من ركائز الاقتصاد الوطني، يستوجب استمرار تحسين بيئته في القطاعين العام والخاص، ومراجعة نظم التوظيف في القطاع الحكومي وتطويره، وتبني نظم وسياساتِ عمل جديدة تمنح الحكومة المرونة اللازمة والقدرة التي تساعدها على تحقيق الاستفادة القصوى من الموارد والخبرات والكفاءات الوطنية، واستيعاب أكبر قدر ممكن من الشباب، وتمكينهم من الانخراط  في سوق العمل، لضمان استقرارهم، ومواكبة تطلعاتهم، استكمالاً لأعمال البناء والتنمية.

إن بناء الأمم وتطورها مسؤولية عامة يلتزم بها الجميع ولا يُستثنى أحد من القيام بدوره فيها، كل في مجاله وبقدر استطاعته، فقد تأسست عُمان وترسّخ وجودها الحضاري بتضحيات أبنائها، وبذلهم الغالي والنفيس من أجل الحفاظ على عزتها ومنعتها، وإخلاصهم في أداء واجباتهم الوطنية، وإعلائهم لمصالح الوطن على المصالح الشخصية، وهذا ما عقدنا العزم على إرسائه وصونه، حتى نصل للتطور الذي نسعى إليه، والازدهار الذي سنسهر على تحقيقه، والنزاهة التي لا بدّ أن تسود كافة قطاعات العمل وأن تكون أساساً ثابتاً راسخاً لكل ما نقوم به.

إن مما نفخر به، أن المواطنين والمقيمين على أرض عُمان العزيزة يعيشون بفضل الله في ظل دولة القانون والمؤسسات، دولة تقوم على مبادئ الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص، قوامها العدل، كرامة الأفراد وحقوقهم وحرياتهم فيها مصانة، بما في ذلك حرية التعبير التي كفلها النظام الأساسي للدولة.

إن شراكة المواطنين في صناعة حاضر البلاد ومستقبلها دعامة أساسية من دعامات العمل الوطني، ونحرص على أن تتمتع فيه المرأة بحقوقها التي كفلها القانون، وأن تعمل مع الرجل جنباً إلى جنب، في مختلف المجالات خدمة لوطنها ومجتمعها، مؤكدين على رعايتنا الدائمة لهذه الثوابت الوطنية، التي لا مُحيد عنها ولا تساهل بشأنها.

أبناء عُمان الأوفياء..

إن الانتقال بعمان إلى مستوى طموحاتكم وآمالكم في شتى المجالات، سيكون عنوان المرحلة القادمة بإذن الله، واضعين نُصب أعينِنَا المصلحة العليا للوطن، مسخرين له كافة أسباب الدعم والتمكين. وإننا إذ نعاهد الله عز وجل، على أن نكرس حياتنا من أجلِ عُمان وأبناء عُمان، كي تستمر مسيرتُها الظافرة، ونهضتها المباركة، فإننا لندعوكم لأن تعاهدوا الله على ذلك، ونحن على يقين تام، وثقة مطلقة بقدرتِكم على التعامل مع مقتضيات هذه المرحلة والمراحل التي تليها، بما يتطلبه الأمر من بصيرة نافذة وحكمة بالغة وإصرار راسخ وتضحيات جليلة.

وفي الختام، نودّ أن نسجل بكل فخر واعتزاز كلمة ثناء وعرفان لجميع العاملين بقواتِنا المسلحة الباسلة في القطاعات العسكرية والأمنية، القائمين على حماية هذا الوطن العزيز، والذود عن حياضه، والدفاع عن مكتسباته، مؤكدين على رعايتنا لهم، واهتمامنا بهم، لتبقى هذه القطاعات الحصن الحصين، والدرع المكين في الذود عن كل شبر من تراب الوطن العزيز من أقصاه إلى أقصاه.

كما لا يفوتنا الإشادة بالقطاعات المدنية، الإنتاجية منها والخدمية، التي تحرص على ديمومة النشاط الاقتصادي، وتوفير الخدمات اللازمة للمواطنين والمقيمين على هذه الأرض الطيبة، وكذلك القطاع الخاص الذي نُقدّر دوره في التنمية وندعوه لمضاعفة هذا الدور، فكلّ يد تبني عُمان، لها منا كل التقدير والامتنان.

وإننا إذ نشكر الله عزّ وجل على ما أسدى وأنعم، لنتوجه إليه جلت قدرته بالدعاء، أن يُعيننا على حمل هذه الأمانة العظيمة، وأن يجعل التوفيق والسداد حليفنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأن يحفظكم أبناء عمان الأوفياء أعزةً كراماً، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.